فخر الدين الرازي

39

تفسير الرازي

الله مهلكهم أو معذبهم ؟ يعني : أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه ، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر ، فوجب تركه . والقول الثاني : أن أهل القرية كانوا فرقتين : فرقة أقدمت على الذنب ، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين ، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح ، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة * ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ) * بزعمكم ؟ قال الواحدي : والقول الأول أصح ، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله : * ( معذرة إلى ربكم ) * خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا : * ( ولعلكم تتقون ) * . أما قوله : * ( فلما نسوا ما ذكروا به ) * يعني : أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية . واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت ، والفرقة الناهية عن المنكر نجت . أما الذين قالوا : * ( لم تعظون ) * فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا ؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه . ونقل عنه أيضاً : هلكت الفرقتان ونجت الناهية ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ولا نقول شيئاً . قال الحسن : الفرقة الساكتة ناجية ، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة . واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا : * ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ) * دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار ، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به . فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنهي عنه أيضاً معصية ، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله : * ( وأخذنا الذين ظلموا ) * . قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فإذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله : * ( بعذاب بئيس ) * أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت : أحدها : * ( بئيس ) * بوزن فعيل . قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد . والآخر : ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس ، أي فقير . فقوله : * ( بعذاب بئيس ) * أي ذي بؤس . والقراءة الثانية * ( بئس ) * بوزن حذر . والثالثة : * ( بيس ) * على قلب الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة : * ( بيئس ) * على فيعل . والخامسة : * ( بيس ) * كوزن